قوافل المخدرات تخترق الحدود المغربية الجزائرية PDF طباعة إرسال إلى صديق
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 
أخبار عامة
الكاتب أوسي موح لحسن   
الثلاثاء, 30 مارس 2010 00:00

هل تحول الشريط الحدودي الصحراوي إلى منفذ آمن للتهريب؟ ماهي المسالك التي تقطعها قوافل altالمخدرات قبل مرورها عبر الحدود؟ ما هو اللوجيستيك الذي يستعمله المهربون؟ .. منطقة فم زكيد إلى الطاوس وحاسي بيضة تحولت إلى منفذ جديد وبعيد عن المراقبة، استفاد من تنامي نشاط التهريب بالصحراء والساحل، وقرر المهربون المغامرة في هذه المنطقة الحدودية التي شهدت حربا ضروسا بين قوات الجارتين المغرب والجزائر، وتحويلها إلى ساحة حرب وبالسلاح المتطور بين قوات البلدين ومقاتلي المهربين والإرهابيين. استعمال اللوجيستيك المتطور من سيارات رباعية الدفع وأسلحة، وأيضا الاستعانة بخبرات رحل من المنطقة عارفين بمنافذ الصحراء، يمكن المهربين من تنفيذ عملياتهم بنجاح، وهو ما يهدد أمن البلاد لينضاف إلى تهديد الإرهاب والانفصال.

جبال وتلال من الرمال هي الحدود الطبيعية بين المملكة المغربية وجارتها الجزائر، شعاب الوديان وممرات القوافل القديمة لا تزال تدب فيها حياة أخرى في الخفاء. مسالك استغلها المهربون في غفلة من حرس الحدود للتنقل بين البلدين رغم إغلاق الحدود بينهما بشكل رسمي.
من الدار البيضاء إلى الرشيدية، مسافة يوم كامل في رحلة سفر متعبة بين منعرجات وجبال المنطقة الشاهقة، مدينة قصر السوق كما تعرف في القدم، من بين المدن القريبة من الحدود الشرقية. سيارات وشاحنات الجيش تعبر شوارعها الرئيسة. الكثير من الثكنات العسكرية توجد في مداخلها، لكن لا وعورة التضاريس ولا المراقبة المشددة لحرس الحدود حالت دون تنامي التهريب بالمنطقة، بعد أن تبين أن شبكات تهريب المخدرات عمدت إلى تحويل نشاطها عبر نواحي الرشيدية، بعد تشديد الخناق من قبل السلطات المغربية على المعابر التقليدية والمواقع التي عادة يتم منها انطلاق عملية التهريب خارج المغرب.
مسافة كيلومترات عن الرشيدية، تستقبل أرفود زوارها، سيارات الأجرة هي وسيلة النقل إلى المدينة السياحية بقصورها المبنية بالطين. بعدها مباشرة توجد مدينة الريصاني، حيث يوجد بضواحيها قبر مولاي علي الشريف الزائر. مدينة الشرفاء تستقبل الزائر ببوابتها المشهورة. نساؤها يلبسن الحايك الذي لا تزال تتميز به أغلبهن وهن يتجولن بين الأزقة. محلات تعرض طبق الملفوف الذي تشتهر به المنطقة.
عندما تغير الطبيعة ألوانها
في الطريق إلى أقاصي الصحراء، تتمايل أشجار النخيل بشموخ، فيما تحرك الرياح سعفها بلطف. بساتين متفرقة تنتشر على طول الطريق. حوالي ساعة ونصف هي المسافة الفاصلة بين الرشيدية والريصاني. المنعرجات الممتدة على طول واد زير وغريس تقذف سالكها يمينا ويسارا. واحات النخيل منتشرة على طول ضفاف الوادي. تلاميذ المؤسسات التعليمية ذكورا وإناثا، يركبون دراجات هوائية للوصول إلى مدارسهم، فعلى طول الطريق تصادف كوكبات منهم في رحلة ذهاب وإياب إلى دواويرهم. وسط الريصاني كما في الرشيدية، كثير من الساكنة يتنقلون على متن دراجات هوائية. تلك هي الوسيلة الوحيدة للتنقل بين هذه المراكز الحضرية، في غياب النقل الحضري بها.
على طول شوارع مدينة الريصاني، يصادفك شبان امتهنوا حرفة المرشدين السياحيين. ما إن يلمحوا غريبا حتى يهبوا ليلتفوا حوله يعرضون عليه خدماتهم، خاصة إن كان أجنبيا ذي سحنة بيضاء. الشبان يتخاصمون أحيانا ويتعاركون من أجل الظفر بزبون. السياح الفرنسيون والإسبان على الخصوص، يترددون على المنطقة على متن حافلات أو سيارات رباعية الدفع أو سيارات خاصة مجهزة، وأيضا على متن دراجات نارية. السياحة أعادت نبض الحياة إلى المنطقة كلها.
حوالي نصف ساعة زمن، هي المدة التي قطعتها سيارة الأجرة من الريصاني إلى مركز مرزوكة الحضري، كلما التهمت عجلاتها المسافة المتبقية نحو الريصاني إلا وتغيرت ألوان الطبيعة ولبست رداء آخر. جبال مقفرة تظهر في الأفق، تربة سوداء وأحجار من اللون ذاته تكسو المكان، بين مسافة وأخرى، لوحات تشير إلى مأوى سياحي بعيد عن الطريق الوطنية. كثبان رملية ذهبية تظهر من بعيد. تحذير بين مسافة وأخرى من زحفها على الطريق.
في مركز مرزوكة، اجتمع أبناء المنطقة تحت حائط محل تجاري، أغلبهم مرشدون سياحيون يعملون لفائدتهم أو لفائدة مآوي المنطقة. وجوه لفحتها أشعة الشمس الحارقة. الأتربة تعلو وسط المركز مع كل مرور لسيارة رباعية الدفع. أغلب زوار المنطقة هم سياح أجانب ورياضيون مشاركون في سباق السيارات «رالي الرمال» أو «عائشة ديكازيل»، لذلك، من المعتاد أن يوجد الغرباء في المنطقة، سواء كانوا أوروبيين أو مغاربة من جهات مختلفة، بل من جنسيات إفريقية تنتمي إلى دول الساحل والصحراء، خاصة الماليين وحتى العناصر الانفصالية من مخيمات تندوف، ممن هم على علاقة بعصابات التهريب ودون أن يثيروا الانتباه، ففي المنطقة كل الجنسيات أصبحت مألوفة.
مركز مرزوكة غير معبد، ولا يتوفر على طوار، الطريق إلى المأوى تكسوها الرمال. المكان يبدو موحشا، كل شيء يوحي بالوجود قرب الحدود، فمنطقة حاسي بيضة إلى غاية محاميد الغزلان، كانت ساحة حرب الرمال التي دارت رحاها بين المغرب والجزائر في أكتوبر سنة 1963، قبل أن يتم توقيع اتفاقية متعلقة برسم الحدود بين البلدين موقعة في 15يونيو 1972، تلك منطقة استعادت هدوءها وتحولت إلى جنة سياحية قبل أن يغتصبها المهربون من جديد.

مسالك التهريب

بعيدا عن مركز مرزوكة، توجد دواوير صغيرة، أغلب ساكنتها من الرحل من أبناء المنطقة الذين ينتسبون إلى فخذة أيت خباش قبيلة أيت عطا، ومنهم غرباء من قبائل الصحراء يستوطنون بها رفقة ماشيتهم وإبلهم، فالمنطقة اشتهرت بالرعي والفلاحة المعاشية في الواحات، رغم أن السياحة تحولت إلى المورد الأساسي للعديد من الأسر ومصدر عيش ساكنتها.
لا أحد من سكان المنطقة يقبل الحديث عن تهريب المخدرات بالمنطقة. الكثيرون منهم يفضلون كتمان الأمر، آخرون يتحدثون عن تهريب السجائر وتهريب الماشية والإبل، بعض منهم تحدثوا عن وجود تهريب للشيرا والمخدرات وعن وجود مافيات خطيرة، لكن من مصدر ليس سوى القناتين التلفزيتين الأولى والثانية!
على بعد حوالي عشرين كيلومترا عن مركز مرزوكة، يوجد تجمع سكاني يسمى «الطاوس». بنايات من الطين أسطحها بها قباب دائرية الشكل، السكان هناك يلجؤون إلى تلك الطريقة لتلطيف الجو في عز فصل الصيف، حيث تفوق درجات الحرارة الأربعين، وبين المركزين بنايات طينية شيدت بالثابوت لدوار يسمى «الخملية» هو دوار احترف سكانه الغناء بـ «تكناويت»، وقبله دواري تهارين وتاباموست.
في «الخملية» صعد أحد أبناء المنطقة، عضو بفرقة كناوية، إلى سيارة أجرة اكتريت خصيصا للقيام بزيارة إلى منطقة الطاوس، كل ما ذكره عن نشاط التهريب، هو أن المنطقة معروفة ببيع الغازوال والسجائر والإبل ولا شيء آخر. الشخص بدا أشبه بـ «بوب مارلي» المنطقة.

في مركز الطاوس، زقاق تكسوه الأتربة به مبنى الجماعة القروية للطاوس ومركز بريدي صغير ومدرسة ابتدائية ومقر القيادة وثكنة لحرس الحدود على بعد أمتار من التجمع السكاني، في هذا المركز القروي، شيد الجيش الفرنسي في زمن الحماية ثكنة لقواته ومنها بدأ الزحف على تافيلالت.

قلة من الأطفال يلعبون بين الأزقة الجانبية، لا شيء يوحي بوجود حياة بين تلك الدور الطينية، الدجاج وحده يلتقط فوق التراب طعامه. في الجهة المقابلة لوادي غريس الذي يفصل المركز إلى قسمين، يوجد الدوار القديم، هناك يقطن السكان الأصليون للمنطقة. الهدوء يسود تلك النقطة النائية في أقاصي الصحراء، مسلك طرقي غير معبد، هو الذي يصل الدوار بدواوير أخرى في منطقة تسمى جماعة سيدي علي، وبها دواوير أيضا متفرقة على شكل قصور، من بينها أوزينة والرملية ثم قصر تافروات (ليس تافروات سوس) وقصر البكعة.

قلة من أبناء المنطقة يعرفون مسالك التهريب بالمنطقة، لكنهم يصرون على أن الصحراء هي عموما فضاء مفتوح. الرحل وحدهم يمكنهم عبورها طولا وعرضا دون خوف من التيه، لذلك فهي منطقة عصية على الضبط والمراقبة.
بعيدا عن المنطقة، لم تكن المصالح الأمنية التي باشرت التحقيق في عدد ملفات تجار المخدرات، قد انتبهت إلى أن هناك مسلكا آخر للتهريب، ليس فقط انطلاقا من السواحل الشمالية وبحيرة «مارتيشكا» ولا في ضواحي القصر الكبير والعرائش أو قريبا من مدينة وجدة، وكانت التحقيقات بمثابة المفاجأة، حين تبين أن أحد البارونات والذي أدين مؤخرا بثماني سنوات سجنا من طرف محكمة الجنايات بالدار البيضاء، قد لجأ لتهريب كميات المخدرات بالجنوب المغرب انطلاقا من المناطق الحدودية المترامية الأطراف بإقليم الرشيدية.
المنفذ الجديد والبعيد عن المراقبة، استفاد من تنامي نشاط التهريب بالصحراء والساحل، وقرر المهربون المغامرة في هذه المنطقة الحدودية، التي شهدت حربا ضروسا بين قوات الجارتين المغرب والجزائر، وتحويلها إلى ساحة حرب، وبالسلاح المتطور بين قوات البلدين ومقاتلي المهربين والإرهابيين.

مرافقنا وهو أحد العارفين بالمنطقة، يقول إن «الشريط الممتد بين حاسي بيضة والطاوس مرورا بمحاميد الغزلان وفم زكيد بطاطا، أصبح منفذا بريا جديدا للمهربين»، وهي حقيقة أكدتها العديد من الوقائع، حيث ضبطت به كميات من المخدرات سواء بالطاوس أو بفم زكيد بطاطا، وأعلن عن ذلك بشكل رسمي. لكن التساؤل المطروح، هو ما هي المسالك التي تقطعها قوافل المخدرات قبل الوصول إلى المنافذ الحدودية ومنها إلى مختلف الدول المغاربية، ليس فقط الجزائر بل أيضا ليبيا وتونس ودول الساحل، بما فيها مالي والنيجير وموريتانيا؟.

يقول مصدر قضائي بالرشيدية، إن «المنطقة تم فيها تكثيف المراقبة، خاصة بعد وصول كميات من المخدرات إلى المنطقة الحدودية»، لكن مرافقنا يصر على أن العمليات التي تم ضبطها ليست سوى عمليات قليلة في الوقت الذي نفذت خلاله عمليات عديدة منذ أزيد من ثلاث سنوات بلاحسيب ولارقيب». أي أن التهريب كان يتم في غفلة من السلطات، ولم يتم ضبط أي عملية إلا في الأشهر الأخيرة.

قبل الوصول إلى المنافذ البرية الحدودية، تمر شاحنات محملة بالمخدرات في طريقها إلى منطقة الرشيدية عبر العديد من نقط المراقبة للشرطة والدرك، وقد كشف البارون المتهم في أحد أكبر ملفات المخدرات في اعترافاته لدى الفرقة الوطنية، بأن عددا من رجال الدرك العاملين بالقيادة الجهوية بمدينة فاس، كانوا يحصلون منه ما بين 2006 و2007 عندما كان لا زال حرا طليقا، على رشاوى تقدر ب 10000 درهم شهريا، مقابل غض الطرف وتسهيل مرور شاحناته المحملة بالمخدرات في اتجاه الرشيدية، وهي التصريحات التي نفاها أثناء مثوله أمام المحكمة.

فضلت هذه الشبكة تهريب المخدرات عبر مناطق الجنوب الشرقي، بعد أن أحس المهربون بتشديد الخناق على نشاطهم من طرف السلطات المغربية، خاصة على المعابر التقليدية والمواقع التي دأبوا على تهريب المخدرات انطلاقا منها في اتجاه الأسواق الأوروبية والمغاربية.

البارون الذي كان يتنقل بوثائق مزورة بعد أن أصدرت في حقه مذكرة بحث، واستعان بخدمات أحد المزيفين المعروفين لدى مصالح الأمن، والذي وفّر له بطاقة تعريف مزيفة تتضمن صورته الشخصية وهوية مزورة مقابل مبلغ 10.000 درهم، كما أعد له جواز سفر ورخص، كشف للمحققين عن تفاصيل دقيقة حول علاقاته المشبوهة مع بعض موظفي الأمن والدرك، الذين تمكن من استمالتهم للتغطية عن نشاطه في مجال تهريب المخدرات، حيث يوجد من بينهم مسؤولون في الدرك الملكي، الذين توجد بدوائر نفوذهم مسارات ومسالك المخدرات، لاسيما بمنطقة كتامة وإساكن وعين عيشة، بل أكثر من ذلك، فقد استطاع المعني بالأمر الاستفادة من خدمات مسؤولين كبار بالقيادة الجهوية بمدينة فاس. وقد يكون هناك احتمال تواطؤات أخرى على الشريط الحدودي الصحراوي كما هو الحال في الشمال بالنسبة للبحرية الملكية والقوات المساعدة والدرك البحري.

رحل في خدمة المهربين


لا تزال كيفية وصول المخدرات إلى الحدود المغربية الجزائرية محيرة لأبناء المنطقة وللسلطات الأمنية أيضا، لكن التحريات الأخيرة أماطت اللثام عن جانب منها، خاصة كيفية تنقلها، وإن كشفت عن علاقات شبكات الشيرا والكوكايين، فإن العودة إلى الطرق البرية الصحراوية أمر لم يكن منتظرا، حيرة تلازم الكثير من أبناء المنطقة ممن التقيناهم، والذين استبعدوا أن يكون تنفيذ عمليات التهريب انطلاقا من المنطقة من تدبير قاطنيها الرحل، بل من أشخاص غرباء أغلبهم على علاقة بمهربين بدول المنطقة المغاربية، لكل منهم دور ينفذه، وبمساعدة رحل المنطقة أو غيرهم من مرتزقة دول الساحل والصحراء.

التحقيقات التي همت شبكة الكوكايين، تمت بتزامن مع تحقيقات متوازية تهم شبكات بارونات آخرين معتقلين ضمن ملف الـ17 بارونا المودعين بسجن عكاشة بالدار البيضاء، والذين اعتبروا من كبار البارونات، وينقسمون إلى أربع فئات، ثلاثة مهربين للمخدرات ومهرب واحد يقتني الشيرا والكوكايين من منطقة كتامة لتوزيعها بمنطقة الناظور، وخمسة منهم من مروجي المخدرات القوية القادمة من منطقة الساحل الصحراوي لترويجها محليا، وستة مهربين يعملون على نقل المخدرات بحرا من السواحل المغربية في اتجاه السواحل الإيبيرية، وثلاثة مهربين للمخدرات عبر الطرق البرية باستغلال وسائل نقل دولية للسلع في اتجاه الدول المغاربية عبر وجدة ولكن أيضا الرشيدية، هذه الأخيرة غدت وجهة مفضلة خاصة مع اشتداد الخناق على المهربين في السواحل الإيبيرية وأيضا في الحدود الشرقية المحاذية لمدينة وجدة. تلك التحقيقات كانت بداية لفك لغز منافذ التهريب الجديدة، وإن كانت آسا وفم الحصن وفم زكيد بإقليم طاطا أو محاميد الغزلان قد سبق فيها طيلة السنين الأخيرة ضبط شاحنات محملة بالسجائر المهربة وكذا حجز قطعان من الجمال.

مصدر من المنطقة فضل عدم الكشف عن هويته، أكد أن «العديد من الأباطرة المبحوث عنهم سبق وأن زاروا المنطقة، وأنهم أقاموا غير ما مرة في مآوي هناك، لكنهم لا يمكثون بها سوى فترة قصيرة سرعان ما يعودون أدراجهم ويختفون دون أن يتمموا الأيام التي حجزوها للإقامة في المنطقة»، وقد تكون تلك مناسبة للإشراف على عمليات التهريب والتأكد من مرور بضاعتهم بسلام، بل أكد المصدر ذاته أن «أولئك من الأسماء الوازنة التي قد يكون مبحوثا عنها».

منطقة الرشيدية وكل المنافذ المؤدية إلى المناطق الحدودية سواء بحاسي بيضة أو الطاوس أو منطقة محاميد الغزلان تعرف بتضاريسها الوعرة والشعاب الكثيرة، ولأن تلك المنطقة لا يعرف حق المعرفة بتضاريسها ومسالكها إلا أبناء المنطقة من الرحل خاصة، فإنه يتم الاستعانة ببعض منهم، خاصة ممن ألفوا المشاركة في عمليات تهريب الجمال منذ سنوات.

تلك مناطق توجد كلها على حافة الشريط الحدودي أغلبية ساكنتها من الرحل. حياة الكثير منهم تغيرت بتغير النشاط الاقتصادي في المنطقة، «لم يعد يهم الكثير منهم رعي الإبل ولا الماشية ولا الفلاحة المعاشية» على حد قول مرافقنا. خبرة أولئك بمسالك المنطقة الصحراوية ومنعرجاتها أصبحت مصدر دخل لهم لا يقدر بثمن. قدرتهم على تحديد المواقع وأيضا الإفلات من مراقبة حرس الحدود بل أيضا تتبع المسارات عن طريق النجوم يجعلهم أفضل خبراء يستعان بهم لعبور الممرات الوعرة دون التيه بين المنعرجات وكثبان الرمال.

تلك خدمة يقدمها الرحل لمن يدفعون أكثر. المهربون أصبحوا يستأنسون بخبرة أولئك، والمقابل مبالغ مالية تغنيهم عن ممارسة النشاط المعتاد في الصحراء، لكل ذلك تغيرت حياة الكثيرين وبدأت مظاهر الحياة العصرية تغزو تلك البيوت الطينية، بل أيضا حتى وسيلة التنقل، واستغنى كثير منهم عن الجمال ليمتطوا بذلك دراجات رباعية العجلات وسيارات «الجيب» و«لاند روفير»، ولا يهم الوقود فالغازوال منتشر بالمنطقة سواء الذي يجلب من التكنات العسكرية أو من المناطق الصحراوية الأخرى المستفيدة من الدعم.

يقول موحى أحد أبناء المنطقة الرحل «حياة الكثيرين تغيرت بعد تنامي نشاط التهريب عبر الحدود، كل شيء يعبر من وإلى المنطقة، في البداية كانت بعض السلع تعبر نحو المنطقة، لكن الإبل هي الأكثر عبورا لتلك الجبال الفاصلة بين المغرب والجزائر، قبل أن تتطور الأمور إلى سلع أخرى أكثر مردودية خاصة الشيرا والكوكايين والسلاح أيضا».

الرحل عادة هم عابرون للحدود منذ الأزل، يكون تنقلهم بين منتجعات الشريط الحدودي ومصبات وادي درعة وغريس وزيز، ألفوا حياة الترحال، لذلك تتم الاستعانة بهم في عبور الشعاب والمسالك الوعرة المتعددة بالمنطقة.
التحقيقات التي باشرتها المصالح مؤخرا بعد العثور على كميات من المخدرات خاصة بالطاوس أكدت المعطيات التي أمدنا بها مرافقنا، فقد تم القبض على ثلاثة مواطنين من جنسية مالية بل وجزائري وأيضا مغاربة يقبعون الآن في سجن «توشكا» بالرشيدية، والاعترافات الأولية لبعض منهم كشفت أنهم مجرد حمالة على غرار من يتكلفون بنقل المخدرات بالشمال إلى القوارب السريعة أو يقودونها إلى الضفة الأخرى من الشريط الحدودي، وبالنسبة للمهربين في الصحراء فإن توزيع الأدوار تختلف ومقسمة تقسيما محكما.

فالشاحنات أو ناقلات السلع تقوم بشحن المخدرات من مكان ما في مزارع الشيرا بالشمال ونواحي تاونات أيضا، ثم يتم نقلها إلى منطقة الراشيدية على الطريق الرئيسية دون أن تثير الشبهات بعد أن يتم اللجوء إلى وسائل عديدة لتضليل رجال الأمن أو الدرك بمختلف النقط التي يتوزعون عبرها إما بإخفاء الشحنات وسط بضاعة أخرى أو بوضعها في سيارات فارهة لا تثير الشبهات، لتجد في المنطقة وفي مكان آمن من يقوم بإفراغ الشحنة وإخفائها في مكان بعيد عن الأعين. هناك يعمد أصحابها إلى إخفائها في منطقة خالية ومعزولة، في انتظار تهريب أغلبها خارج أرض الوطن عبر الحدود، خاصة المناطق المقابلة لمنطقتي وادي الدورة وحاسي خبي المتميزة بمنحدرات شديدة الوعورة وشعاب ضيقة تحفها الصخور الضخمة ومغارات وكهوف وجداول مائية، ولقربها من قرى الشريط الحدودي المغربي المجاورة التي لا تبعد سوى مسافة 70 كلم.

ولأن السلعة أصلا موجهة لمهربين في الصحراء ومنطقة الساحل ، فإن المهربين انطلاقا من هذه المنطقة يأتون من خارج الحدود بسياراتهم رباعية الدفع ويكونون في الغالب مسلحين للدفاع عن أنفسهم بل وأيضا للاشتباك مع حرس الحدود المغاربة أو الجزائريين في حالةافتضاح أمرهم، وهي حوادث تكررت مؤخرا سواء على التراب المغربي أو الجزائري وحتى الموريتاني، ولهذا يطرح التساؤل كيف يمكن للمهربين عبور الحدود هل لأنهم يستعملون وسائل نقل واتصال متطورة أم لأنهم يستفيدون من تواطؤ حرس الحدود وجهات أمنية على غرار ما كشفت عنه تحريات المصالح الأمنية في ملفات المخدرات بعد اعتقال البارونات الستة عشر طيلة الأشهر المنصرمة.

لوجيستيك متطور


في منطقة مرزوكة وحاسي بيضة والطاوس إلى غاية محاميد الغزلان يتنقل أغلب سكان المنطقة بسيارات رباعية الدفع والجيب أيضا «لاندروفير»، وعورة تضاريس المنطقة وكونها غير معبدة يزيد من صعوبة التنقل فيها. الجمال التي كانت وسيلة تنقل رحل المنطقة تم استبدالها بتلك النوعية من السيارات، وإن كان بعض السكان المحليين من الفقراء يضطرون للتنقل عبر سيارات النقل المزدوج أو سيارات الأجرة «المرسيديس»، ولا وجود لحافلات في المنطقة باستثناء السيايحة التي تقل السياح إلى منطقة مرزوكة.

التحريات التي تمت بعض ضبط كميات من مخدر الشيرا بالمنطقة، بينت أن المخدرات تم استقدامها برا على مراحل، بعضها على متن الدواب وأخرى تهرب مخبأة على متن سيارات شخصية عبر طرق محلية ومسالك وعرة عبر جبال الأطلس، انطلاقا من مناطق إنتاج القنب الهندي بالشمال، وذلك لتفادي أي مباغتة محتملة من قبل مصالح الأمن والدرك والجمارك عبر تهريبها من الطرق والمنافذ المعتادة بالشمال ومنطقة سوس.

يتنقل المهربون بالشريط الحدودي عادة على متن سيارات رباعية الدفع من نوع «تويوتا ستايشن»، وباستعمال الدراجات النارية أيضا سواء رباعية العجلات أو النارية العادية المخصصة للسباقات، وهي أنواع يستعملها السياح في المنطقة عادة، وتزايد استعمالها حتى من طرف السكان المحليين من الميسورين، بل ويمكن كراؤها بثمن 250 درهما فقط للساعة الواحدة، وهي سريعة جدا ويمكنها المرور من كل الشعاب وفوق الرمال أيضا، وصارت تستعمل من طرف عصابات التهريب في الفترة الأخيرة، مادامت صالحة لكل الأرضيات، تسهل هروبهم ودخولهم للقرى الحدودية، متخفين بين الصخور.

لوجيستيك متطور يستعمله المهربون قد لا يكون لحرس الحدود والدرك نظيرا له، ولذلك فإن عمليات المطاردة بين الجانبين قد لا تفضي إلى القبض على المهربين في حال ضبط مكان وجودهم. تطور الوسائل المستعملة يؤكدها ماضبط لدى مهربين بالتراب الجزائري حين اشتبك مهربون كانوا قد غادروا على التو التراب المغربي، وتم حينها إحباط عملية تهريب أطنان من المخدرات بمنطقة طاوس بحاسي خبي على بعد 420 كيلومترا من ولاية بشار وخمسمائة متر من الحدود المغربية، ووقع إطلاق النار انتهى بفرار أفراد العصابة نحو التراب الوطني.

تبين في عين المكان أن المهربين كانوا على متن سيارات رباعية الدفع من نوع «تويوتا ستايشن». بل وعثر بحوزة المهربين حسب مصادر إعلامية جزائرية، على «أسلحة نصف ثقيلة منها رشاشان «أف أم، بي ك» ورشاش كلاشينكوف وذخيرة حربية وجهاز هاتف من نوع ثريا ومنظار عسكري»، وتبين أيضا أن عصابات التهريب لجأت إلى تسليح عناصرها بعد أن وجدت ضالتها في الشريط الممتد على طول وادي درعة الموجود بين فم الحصن وأسا وطاطا ومحاميد الغزلان وأيضا وادي زيز وغريس.

العصابات النشيطة في الصحراء تبين أيضا أنها أصبحت تعتمد أساليب خطيرة في تأمين مسالكها وتحركاتها أثناء نقل المخدرات بشكل جعلها تستعمل أسلحة نصف ثقيلة كرشاشات ألـ «أف.أم»، و تنامي عمليات التهريب بالمنطقة كشف عن وجود سوق للسلاح بالمنطقة، ويخشى أن تتسرب أعداد منها داخل التراب الوطني فتصبح أداة لتنفيذ الجرائم.

ويقدر الخبراء الأجانب عدد قطع السلاح الخفيف الموجودة في منطقة غرب إفريقيا لوحدها بما لا يقل عن 10 ملايين قطعة، منها ما هو محلي الصنع في ورشات تقليدية وما هو مستورد من الخارج أو مهرب من مخازن السلاح التابعة للجيوش النظامية. وما يؤيد ذلك ما ذكرته عدة تقارير في الآونة الأخيرة منها قيام دورية عسكرية في مالي قبل أشهر بحجز ما أسمته «ترسانة حربية حقيقية» من بينها عدد هام من مدافع الهاون وقاذفات الصواريخ المضادة للدروع ومعها مجموعة من القذائف الجاهزة للاستعمال، إضافة إلى عدد كبير من المسدسات الرشاشة والذخائر من شتى الأحجام والعيارات كانت في طريقها إلى الحدود الجزائرية كانت مخبأة في شاحنات لنقل البضائع قادمة من غينيا.

استعمال اللوجيستيك المتطور من سيارات رباعية الدفع وأسلحة، وأيضا الاستعانة بخبرات رحل من المنطقة عارفين بمنافذ الصحراء، يمكن المهربين من تنفيذ عملياتهم بنجاح خاصة إن وجدوا من حرس الحدود من لا غيرة له على أمن الوطن واستقراره، حينها سيزداد نفوذ العصابات، وذاك هو التهديد الحقيقي لأمن البلاد الذي ينضاف إلى تهديد الإرهاب والانفصال.


Comments
أضف جديد بحث RSS
مجهول   |196.217.131.xxx |2010-04-06 16:41:57
:?:
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 
 
Please input the anti-spam code that you can read in the image.

3.23 Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

 
أشرك غيرك في قراءة المقال

صورة اليوم

files3.jpg

استمارة الانخراط في منتدى تافيلالت للإعلام


حديث الصورة

م عبدالرحمن الهاشمي علوي

اللوحة...حسن لشهب

حرقة الوجود

محمد شاكر

قصة قصيرة جدا:وجــوه

قصص قصيرة جدا لمبروك السالمي

عبدالقادر القندوسي

إصدارات

للتسجيل بالنشرة البريدية

أدخل بريديك الإلكتروني:

مع تافيلالت نيوز

تابع تافيلالت نيوز على الفايسبوك

على الموقع

حاليا يتواجد 59 زوار  على الموقع

مواعيد

تحتضن مدينة أكادير في الفترة بين 9 و13 نونبر 2010 بمدينة أكادير الدورة الثالثة للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي، وحسب الصفحة الخاصة بالمهرجان على الفايسبوك فإن وجوها سينمائية من مدينة الرشيدية قد أكدت حضورها فعاليات المهرجان

إعلانات

  • Royaume du Maroc
  • Le Programme de Développement Territorial Durable des Oasis du Tafilalet
APPEL A CANDIDATURES POUR LE PROGRAMME DE DEVELOPPEMENT TERRITORIAL DURABLE DES OASIS DU TAFILALET
(Programme Oasis Tafilalet/POT) Réf. : MAR/2010/066

TROIS ANIMATEURS/ RICES CHARGÉS (ES) DE SUIVI DES ACTIVITES DU POT Poste Basé à Jorf/ Goulmima/ Tinjdad (Province d’Errachidia)

قراءة المزيد...

أحوال الطقس

يمكنكم متابعة أحوال
الرشيدية
كما يمكنكم اختيار أي مدينة
بالمغرب

أنشطة حزبية


أخبار المجتمع

رضخ المسؤولون بإقليم الرشيدية، أخيرا، للأمر الواقع، واعترفوا، على لسان الكاتب العام للعمالة والمندوب الإقليمي للصحة، أن الوضع الصحي بالإقليم "مقلق" جراء استفحال داء الليشمانيا، الذي طال، حسب المندوب الإقليمي 13 جماعة،

قراءة المزيد...

انتقل إلى عفو الله المرحوم حمان ضراوي المعروف في حياته بـ حمان السيكليس عن سن يناهزalt مائة سنة

المرحوم الذي بقي يتمتع بصحة جيدة إلى أواخر حياته، يصفه معارفه بذاكرة الرشيدية ،إذا أنه أول من استعمل الدراجة واشتغل عليها،إضافة إلى أنه من لقن أصول الحرفة للعديد من محترفي إصلاح الدراجات،حتى المشهورين منهم

كما يتحدث معارفه عن العديد من المزايا التي كان يعرف بها في حياته،طبعا إضافة إلى طيبوبته

لتقديم التعازي

للتواصل

للتواصل مع تافيلالت نيوز
info@tafilaltnews.com
Share on facebook
بحث مخصص